أحمد بن يحيى العمري
149
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وروي أن الجنيد قال له يوما : لو رددت أمرك إلى الله لاسترحت . فقال الشبلي : " يا أبا القاسم ! لو رد الله تعالى أمرك إليك لاسترحت " . فقال الجنيد : " سيوف الشبلي تقطر دما . " « 1 » وقال : " سهو طرفة عين عن الله تعالى - لأهل المعرفة - شرك بالله تعالى . " « 2 » وقال الشبلي : " ليس من احتجب بالخلق عن الحق كمن احتجب بالحق عن الخلق . وليس من جذبته أنوار قدسه إلى أنسه ، كمن جذبته أنوار رحمته إلى مغفرته " . « 3 » وكان يقول في مناجاته : " أحبّك الخلق لنعمائك ، وأنا أحبك لبلائك " . « 4 » وقال عبد الله بن محمد الدمشقي : " كنت واقفا على حلقة الشبلي ، في جامع المدينة ، فوقف سائل على حلقته ، وجعل يقول : يا الله ، يا جواد ! ، فتأوه الشبلي وصاح ، وقال : كيف يمكنني أن أصف الحق بالجود ؟ ، ومخلوق يقول في شكله : تعود بسط الكف حتى لو أنه * ثناها لقبض لم تجبه أنامله تراك - إذا ما جئته - متهللا * كأنك تعطيه الذي أنت سائله ولو لم يكن في كفه غير روحه * لجاد بها فليتّق الله سائله هو البحر من أي النواحي أتيته * فلجّته المعروف والجود ساحله ثم بكى ، وقال : بلى ! ! يا جواد ! . فإنك أوجدت تلك الجوارح ، وبسطت تلك الهمم ، ثم مننت - بعد ذلك - على أقوام بعزّ الاستغناء عنهم ، وعما في أيديهم بك ؛ فإنك الجواد كلّ الجواد ، لأنهم يعطون عن محدود ، وعطاؤك لا حدّ له ولا صفة . فيا جواد يعلو كلّ جواد ، وبه جاد كلّ من جاد . " « 5 »
--> ( 1 ) طبقات الصوفية 343 / 23 . ( 2 ) طبقات الصوفية 343 / 24 . ( 3 ) طبقات الصوفية 344 / 29 . ( 4 ) طبقات الصوفية 344 / 31 . ( 5 ) طبقات الصوفية 346 / 39 .